لدي صديق يعتنق مذهب الرّجلة بكل قناعة ويظن نفسه وهو ينفخ صدره في الطّريق عنتر زمانه وأنه كجزائري يحقّ له مالا يحقّ لغيره، حتى أنّه يعتقد أنه أحسن من الآخرين ويكثر من كلمة احنا واحنا واحنا، وقد يسرع إلى استعمال قبضته عند كلّ نقاش لا يسير نحو المسار الذي يريده له، لكنّه في مقابل ذلك يعلم أنني أنظر إليه نظرة شفقة، فهو لا يعلم في الحقيقة أن نوع الرّجلة التي يتّخذها مذهبا قد ولّت مع فيلم “عمر قاتلاتو الرجلة” والعقيد ابو شهاب من باب الحارة، والرّايس حميدو والشّيكور نتاع الكارتي، فالعالم اليوم تغير ويجب أن ينتشل هؤلاء أنفسهم من أفكارهم الخيالية حول تفوق الجزائري وكرامته وعزة نفسه ومكانته في العالم، ويكفّو عن تفتيش اليوتيوب بحثا عن أي برنامج يشعرهم بالرّضا عن أنفسهم، يمدح فيه المقدّم العربي الجزائريين وينفخهم، بينما الحقيقة المرّة هي شيء آخر تماما، بغض النظر عن الطّيبة وحسن النية التي تجعلنا متخلفين عن ركب الحضارة عامة، لندرك أنّ ما يحدث هو استغلال وحصد للاعجابات واللايكات والاشتراكات.

الرجلة والخزرة نتاع السبع

لذا قررت أن أكتب هنا وأفرغ هواجسي – وأشكر صاحب الموقع لاتاحته هذه الفرصة- عن سبعة أسباب أراها أساسية في صنع شخصية أي مواطن وتعزيز احساسه بالفخر والانتماء للوطن الذي ينحدر منه، بعيدا عن نفخ الصّدر البطال والرّجلة الموهومة، عن أننا لا نقهر وأننا كنّا لنحرر فلسطين لو كانت على حدودنا، وأنّنا أحرار ودمنا حار والعنتريات التي هي حقيقة ليست إلا كلام فاضي لا يعبّر أبدا عن الواقع المر الذي نعيشه، والذي أوصلنا إليه نظام حكمنا المتعفن، فانتقص من كرامتنا ومسح بقيمة المواطن الجزائري الأرض، حتى أصبحت الدّول والمطارات تعافنا، لدرجة أنّنا ننحدر في كل المجالات نحو المراتب الأخيرة دائما.

إذن هيا بنا نحو تعداد سبعة أشياء لو تمكّنا من استعادتها ستعيد للجزائري هيبته في العالم ومكانته المطلوبة، كما ستعزز العزّة والكرامة التي لا علاقة لها بعزّة وكرامة بوتفليقة الذي مسح بها الأرض حرفيا.

انهيار مستمر لقيمة العملة

1/ قيمة العملة الوطنية: طبعا كلّنا يعرف أن قيمة العملة تعكس قوة الإقتصاد، فهي من تحدّد القدرة الشرائية للمواطن، ومدى استمتاعه بالرّفاهية داخل وطنه خاصة، ونحن بفضل السياسات المالية والاقتصادية للنظام، اصبحت عملتنا لا تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه، والمرتب الذي يكفي في دول أخرى لشراء تلفزيون وأجهزة الكترونية وأرائك للصالة في شهر واحد، لا يكفي عندنا لشراء أي شيء ذا قيمة، لأن الفواتير والأكل سيقتطعان الكثير منه، وهذا المرتب يعتبر مصروف جيب للعزّاب خارج هذا البلد النفطي، أنت تضطر في حال سفرك للخارج أن تحتفظ بمالك رزما رزما كي تستبدلها ببضعة أوراق من العملة الخضراء أو الزرقاء، ثم يأتي أحد المتحذلقين ويخبرك واثقا أنّ ثمن القهوة غال جدا في أروبا مقارنة بسعرها في الجزائر، متجاهلا المرتب الذي يقبضه الأروبي وكأنه يعيش في اروبا بمرتب الجزائري، وطبعا لا ننسى تغاضي الدولة عن السوق الموازية للعملة، والتي تتحكم في جيوب الجزائريين المضطرين إلى التعاملات غير القانونية تحت نظر الدولة نفسها وبرعايتها، لتحويل ما لديهم من مال إلى العملة الصعبة وخاسرة نسبة من أموالهم لصالح بارونات العملة الذين يهدمون الاقتصاد برعاية النظام وتحت عينه، وطبعا العملة الصعبة في البنوك متاحة للأسياد وليس لك أيها المواطن المنفوخ، إذن لنتخلص من بعض الريح الذي يمتلأ به صدرك.

جواز سفر لن يأخذك بعيدا

2/ قوّة جواز السّفر: بالتأكيد لن احتاج الشّرح طويلا في هذه النقطة، فأي جزائري يعلم أنّ عدد البلدان المسموح له بدخولها دون تأشيرة يعدّ على الأصابع، واغلبها دول لا يرغب الجزائري حتى بزيارتها لفقرها وتخلفها، حتى تركيا التي كان الجزائريون يطمعون في رفعها التاشيرة عنهم باعتبارها بلدا سياحيا يقصدونه بكثرة، فعلت الأمر ولكن مع تونس والمغرب، بينما أبقت التأشيرة على الجزائريين سارية، وطبعا لن نتكلّم عن أروبا وأمريكا لأنها حلم بعيد المنال وأياً من ينال تاشيرتها يعتبر حرفيا أنّ أبواب الجنّة قد فتحت له، ويعترف صديقي الرجلة أنّه يعرف رفاقا له ماتوا وهم يحاولون الهجرة نحو الحلم الأوروبي عبر قوارب الموت، لقد وصلت بهم المرارة إلى تفضيل الموت غرقا على البقاء في بلد يستنزف طاقتهم وشبابهم على طاولات المقاهي لأنهم ببساطة لا يريدون العمل مثل الحمير لجني مرتب لن يوفر لك حتى الحياة الكريمة، فما بالك بحلم المنزل وحلم الزواج أو السيّارة، وهي أمور عادية أصبحت في هذا البلد أحلاما تستهلك سنوات من عمرك لتحقق أحدها، لذا فتخلص من مزيد من الريح الذي يمتلأ به صدرك.

فرض التأشيرة يصعّب السياحة إلى الجزائر

3/ السياحة واستقبال الأجانب: تعتبر السياحة مظهرا من مظاهر التحضّر والتمدّن، فكثير من مدن العالم تجدها تكتض بسواح من مختلف الجنسيات يسيرون في أمن وأمان، يكتشفون البلد ويساهمون في تعزيز اقتصاده المحلي وصناعاته التقليدية، كما يعتبرون وجها حضاريا داخل المدن التي يطبعونها بوجوههم متعددة الأعراق والجنسيات، مما يدل على التسامح والأمان الذي يتميّز به البلد، لكن في الجزائر التي تقفل الباب على نفسها ولا تهتم بالسّياحة المربحة ولا بدخول السّياح إليها، وتعتبر من أصعب البلدان في منح التأشيرة، وكأنّ السياح سيدخلون الجنة حال نزولهم في مطار هواري بومدين، في الجزائر لن تجد السياح في الشوارع فالمدن ليست آمنة لهم، والدولة لا تهتم لا بالسّياحة ولا بتوفير مايلزمها من بنية تحتية كالفنادق والمطارات والطّرق ووسائل النقل المتنوعة والمواقع السياحية والخرائط المعلّمة وكثير من الامور اللوجيستية التي تجعل السائح مرنا وآمنا في تنقلاته داخل البلد، وعلى ايّة حال فالنظام الجزائري لا يعبأ بالسياحة منذ سنوات رغم تخصيصه وزارة لها والحديث ليل نهار عن ترقيتها، بينما لايزال نظام الفيزا لدخول الجزائر هو الأصعب والأعقد، ويفضل النظام أن يعزل المواطن داخل بلده ليوهمه أنه احسن من الآخرين بينما هو يعيش البؤس مقارنة بالعالم الخارجي الذي لا يمتلك نصف ثرواته، لذا تخلّص من المزيد من الريح الذي يمتلأ به صدرك دون سبب حقيقي.

جودة التعليم في الجزائر

4/ تصنيف ونوعية التعليم: في الجزائر أينما وليت وجهك تقابلك التعليقات البائسة أننا الوحيدون من نملك تعليما مجّانيا، وهو ادعاء خاطئ طبعا لأن أغلب الدول المتخلفة توفر تعليما مجانيا لفك الخط وتخريج أصحاب شهادات غير معترف بها ومتعلمين غير مزوّدين بأبسط المقوّمات العلمية لمواجهة التطور الرهيب للتعليم في العالم، حتى أنّ هناك دولا متقدمة وتعليمها مجاني كذلك، أما نحن فجامعاتها ليست موجودة بالترتيب أصلا، أما التعليم في بقية الأطوار فيقتصر الاهتمام فيه على توفير الأقسام والطاولات والكراسي، بينما نوعية المناهج وفعاليتها وتأهيل المعلمين والنوعية غائبة تماما، مما يجعل مدارسنا منفرة للطلاب أكثر من كونها بيئة جاذبة لهم ومنتجة للابداع، لذا فنحن كنا ولا نزال ننتج أجيالا جاهلة في الحقيقة بالرّغم من الشّهادات التي تملكها، أجيال لا تعرف الحديث ولا التحليل ولا التفكير، وهذا ما يحتاجه النظام فعليا لاستمراره، لذا خفف أيها الجزائري من بضعة نفخات من الريح الذي يمتلأ به صدرك.

مستشفى القبة للولادة هذا الأسبوع

5/ مؤشّرات الرّعاية الصّحية: لو أقول هنا أنّنا في الجحيم حرفيا، فانت لن تناقشني في الامر، بل ستبصم بالعشرة وانت تقتحم الاستعجالات رفقة صديقك المصاب مثلا، دون أن يهتم احد لوجودك وحتى إن ركض بعض الأطباء نحوك وهذا الأمر مستبعد جدا، فلن يجد المساكين ما سيعالجونك به، لأن المستشفيات عامة خاوية على عروشها من الأدوية والتجهيزات والخبرات المهنية التي تهاجر أينما أتيحت لها الفرصة نحو الدول التي تملك منظومة صحّية حقيقية، أما هنا فيتركوننا مع اطباء يحاولون ما يستطيعونه لملأ الفراغ الذي لن يمتلأ، فتجد المستشفيات مرتع لكل أنواع المعاناة التي لن تمكّنك من نيل العلاج المطلوب ولا القيام بالكشوفات المطلوبة ولا بالعمليات اللازمة، فتجد الجزائريين ينتقلون زرافات وفرادى نحو تونس ومصر للعلاج، بينما المسؤولون يركضون نحو فرنسا عدوتهم في الاعلام فقط لنيل العلاج على نفقة الدولة، هذه المأساة تجعل الجزائري المنتفخ بالريح يصرخ في الشارع نحن الدولة الوحيدة التي توفر العلاج بالمجان، وطبعا هو يعلم انه يكذب ويوهم الآخرين بكلام فارغ، لأن هناك دول كثيرة متقدمة ومتخلفة توفر منظومات صحية فعّالة ومجانية، والجزائريون الذين يفتخرون بمجانية الصحة يدفعون دمّ قلبهم وأموالهم للعلاج المدفوع في تونس وكل مكان من العالم، حتى انّ أحد أصدقاء صديقي المتفاخر كان شبه ميت هنا في الجزائر وقد قال له أطباء العاصمة “لا أمل من شفائك” وأرسلوه من المستشفى ليموت في منزله، ولأن زوجته لم تستسلم جمعت المال واستلفت كثيرا منه وسافرت به إلى تونس ليعود الأمل ويحكم الأطباء في ذلك البلد الصغير، ان تشخيص اشقائهم هنا خاطئ والرّجل لن يموت قريبا، بل سيعود احسن من السابق، وهنا يجب أن أقول للأمانة أنّ صديقي اعترف وقال: “ليس لدينا طب في الجزائر” فقلت له: إذن خفف من الريح اللي في صدرك وحط رجليك على الارض.

المرتبة 179 من 201

6/ استعمال التكنولوجيا والإنترنت: كل قارئ لهذا المقال سيكون متأكّدا أن معاناته مع تصفّح مواقع التواصل والانترنت لا تنتهي في الجزائر، فعادة ما يأخذ الموقع وقتا قبل أن تظهر الصور، أمّا الفيديوهات فلا تعترف بكمية الصّبيب لديك، لأنّه غير حقيقي في النهاية، ولن تشاهد فيلما بجودة كبيرة إلا إذا سهرت لوقت ينام فيه الجميع وتبقى أنت كالبومة تفتح عينا وتغمض اخرى، أملا في مشاهدة فيلم بجودة كبيرة، وطبعا يشهد على ذلك الترتيب المخزي للجزائر بين الدّول في قوة الانترنت، حيث حصلنا على المرتبة 179 من 201، وهي مرتبة تحمل كلّ معاني الذّل والتخلف، فالجزائريون لا يستعملون الانترنت في المدارس، ولا في الحكومة، وانت لا تستطيع استخراج وثائقك المدنية مثلا عبر الانترنت، وكل ما توصلنا إليه من تطور يتمثل في الاطلاع فقط، وهي ميزة عفى عليها الزمن في دول أخرى، أما الكارثة الحقيقة فهي التخلف الرهيب في التعاملات المالية عبر الانترنت، وغياب الدفع الالكتروني، بحيث أنك ستعتبر قادما من العصر الحجري لو دخلت أي موقع عالمي للشّراء وليس ذلك فقط، فالمشكلة الآن أن كل المواقع لديها نظام اشتراك بريميوم والاستفادة من الاعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي، وكلها تحتاج نظام مالي ودفع الكتروني سلس داخل الدولة وخارجها، وهو ما لن يتوفر قريبا، ويجعلنا معزولين جدا معتمدين على أصدقاء في الخارج ليدفعوا لنا، أو نقتني بطاقات دفع الكترونية من بنوك لا يهمها قدراتنا المالية المحدودة، ونضطر لتحويل عملتنا التي لا تساوي شيئا إلى العملة الصعبة في السوق السوداء لدفعها للبنك في الأخير وملأ البطاقة، لذا أرجوك تخلص من اغلب الريح الذي ملأت به صدرك ورجولتك المزيفة.

المدن المضيئة في العالم انعكاس للتمدن

7/ الحياة المتمدّنة والتّحضر في المدن: طبعا أنت لو سافرت إلى اي بلد في العالم ستجد عاصمته على أقل تقدير ومدنه الكبيرة لا تنام غالبا، وحتى إن كانت تنام فستفعل ذلك بعد ليل مليء بفرص الترفيه والحياة الاجتماعية والثقافية من مسرح ونواد وسينمات وفعاليات متنوعة تجذب السكان للخروج من منازلهم والتفاعل مع الحياة، وطبعا كل ذلك مدعوم بسهولة التنقل داخل المدن لساعات متأخرة من الليل في أمن وأمان تام، بينما في عاصمتنا المنهكة، ومدننا الكبيرة ستجد الأمر أشبه بدوّار أو دشرة كبيرة، الجميع يغلقون أبوابهم ويوصدون نوافذهم بعد المغرب خوفا من الشارع الذي يتاح للمتشردين والشباب المتمرّد على الأوضاع والسكيرين وكل ماهو غير شرعي، وكأننا في مدن خارجة عن القانون، وحتى محاولات الدولة البائسة لاطلاق مبادرة العاصمة التي لا تنام في الصيف باءت بالفشل لأن الناس مقتعون أن التّمدن لا يصنع بالأوامر بل بالممارسات، وهو رد فعل تلقائي لاتاحة حرية التنقل والتعبير المرفق مع انتشار الأمان في الشارع، وتنظيفه من كل المظاهر التي تجعله غير مناسب للعائلة والفرد، الحياة الليلة للمدن تعكس تلك النهارية أيضا، ومدننا غير مضاءة حتّى، فكيف نطالب قاطنيها بالتنقل ليلا، فلو تطلع على خريطة للعالم ليلا ستجد الجزائر تغرق في الظلام وكأننا بلد جاء من عصر الظلمات، لذا فأنت أيها المنفوخ لا تعتبر متمدّنا بشكل كامل لذا تخافك الدول الاخرى وتقفل أبوابها في وجهك، ففي مدنك لازالت قطعان الحيوانات ترعى بين العمارات، وفي مدنك النائمة لازال السير في شوارعها خطيرا وفي مدنك لايزال غياب مظاهر الحضارة واضحا وبقوة، لذا فأمانة من الله تخلص الآن مما تبقى في صدرك من ريح.

نبات الرّجلة

ولتحاول يا صديقي استيعاب مكانتك الحقيقية في العالم التي لن يصنعها تاريخك ولا كثرة الكلام ولا قبضتك وبأسك، بل مدى تطورك وتماشيك مع روح الحضارة الجديدة بدلا من تمسّكك بأساليب رجل الكهف التي لم يعد مرحّبا بها في عالم اليوم، لذلك فالحراك الشعبي هو سبيلك الوحيد للتّخلص من النظام اللعين الذي حشرنا في مؤخرة الترتيب بكل المجالات وجعل من الجزائري شبهة يتم التحفظ عليها في كل أنحاء العالم، ولأزدك معلومة في الأخير أعلم أنّها محبطة ولكنك تستحقّ أن تعرفها على أيّة حال، ولتعلم أنّك لو وضعت كلمة “رجلة” التي تتشدّق بها ليل نهار في مربّع بحث غوغل سيقذف في وجهك صورة نبات أرضي ينبت ويبقى يزحف على الأرض دون رفع راسه ليرى ما حوله في العالم، لذا ارفع رأسك وشمر عن ساعديك وكن رجلا حقيقيا يصنع التغيير ويعيش لأجل الرقي ببلده.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s