اليوم وأنا استمع لخطبة الجمعة سررت جدا لمضمون الخطبة الذي يدور حول التغيير الحقيقي والعمل وترك المبررات الفارغة التي لن تسمح لنا بالوصول إلى ما فيه خيرنا وخير هذا البلد، ولعلّ الجملة التي جعلتني انتبه لخطبة الجمعة حقا ولا انام كالعادة في الخطب الروتينية عن الصوم والصلاة والعبادات وفقه النساء، هو كلام الخطيب عن تبرير المسؤولين الدائم لسبب التقشف الذي يدعوننا إليه، والذي يكمن حسبهم في فقر الموارد والامكانيات، بينما الحقيقة تكمن في التسيير السيء من طرف هؤلاء المسؤولين الماكثين على قلوبنا وجيوبنا لسنوات وسنوات دون حسيب ولا رقيب فحاميها حراميها في الأغلب..

ثم أنّ الخطيب لم يكتف بهذا، بل زادني طربا حين عرّج على تركيا وسر تطورها وتفوقها بالمقارنة بما كانت فيه من انهيار، وكذلك الوزن السياسي الذي اكتسبته في سنوات حكم أردوغان وسياسياته الاقتصادية والسياسية التي تقدّم مصلحة تركيا أولا، عكس الجعجعة العربية التي لم تقدم حلولا حقيقة لاقتصادياتها البترولية المثيرة للشفقة، بوزن ريشة سياسي الذي لا يعبء به أحد، ثم أن هذا التغيير كما يجب أن يتم في أعلى الهرم وهو الاساس في الحقيقة، لأنه إن صلح الراعي واتقى ربّه، والرّب هنا اشارة إلى الله الذي نعبده وكذلك جزافا إلى القانون والدستور الذي يسيّر البلد، وبالتأكيد ستسير الرّعية على نهجه وتقاه، كذلك بالنسبة للانسان على المستوى الشخصي بإتقان عمله على الأقل، والإلتزام بالعبادات الاساسية في أقل تقدير، لأن هذا الامر أساسي في صناعة الانسان السوي الذي إن تمّ اخضاعه لميزان العدالة الحقيقية لن تكون هناك مشكلة أبدا في انقياده لها ما دام محتفظا بكرامته وحقوقه كإنسان.

نحن بحاجة حقا لخطباء امثال هؤلاء يرون الحق ويتكلمون عنه كما يجب، وبلغة بسيطة ودارجة مطعمة باللغة العربية تصل مسامع الجميع وتلقى استحسانهم وتجاوبهم، وهذا هو ما يمكن أن يصنع التفاعل بين المسجد والشارع، وليس تلك الخطب الرنانة وذلك التهديد والوعيد الذي لم يعد مفعوله يدوم إلا تلك الساعة التي يتم الاستماع فيها للخطيب بينما القلوب متعلقة بمباريات المساء والبطون بوجبة الغذاء، أما العقول فبعربات بيع البطاطا الرابضة بالقرب من المسجد عليها باعة لا يصلون ولا يعبؤون بما يقول الخطيب أصلا، ينتظرون فقط رفع السلام لبدأ الصياح بطاطا بطاطا…

ربما لو كنا في مجتمع عاقل مفكر سيقرر المصلون أن لا يشتروا شيئا من أولئك المزعجين الذين لا يحترمون قداسة الصلاة والمسجد، ويتجرؤون في وقاحة لا نظير لها على البيع لمصلين هم لا يعتبرون جزء منهم، ولكم رغم كل هذا يبقى للمسجد الدور المهم في توعية شريحة كبيرة من الناس، الذين لا يطلعون على شيء إلا من خلال القنوات التلفزية الموجّهة والجرائد المشغولة بالكذب والمزايدة على بعضها البعض في اقتناص العناوين البراقة، ومواقع التواصل الاجتماعي التي تنشر أي شيء مهما كان خياليا على انه واقع موجود.

ويبقى الأمر بيد الخطباء أنفسهم بين الإنصياع لوزارة الشؤون الدينية وقتل الدين بالخطب الروتينية المكررة التي ينام أغلب المصلين وهم يحاولون الاستماع إليها، او ترك الحرية للخطباء ليجعلوا مواضيع خطبهم تدور حول ما يلمسونه من اعوجاج في مجتمعاتهم ويحاولون تقويمها والحد من الظواهر السلبية لتنبيه المصلين إليها وايصال الرسائل الايجابية لهم بان المسجد مؤسستهم الاجتماعية التي تنتبه لواقعهم وتحاول التأثير فيه ايجابيا بطريقة فعّالة.

بقلم: مهموم بوطنه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s