مع بداية سنة جديدة في الجزائر لا يمكنك توقع القادم، فالحياة السّياسية رغم ما واجهته من ركود وروتين ممل في السابق، حين اغتالها ظام بوتفيقة فصارت غير مؤثرة في الشارع ولا بين الشّباب، استعادت أخيرا حيويتها على يد حراك ال22 فبراير 2019، واصبحت تطالعنا بالكثير خلال شهور في السنة الماضية، لكنّها فاجأتنا هذه الأيام بأحداث متسارعة لا يمكن أن تكون إلا مقدّمة لتغييرات مهمّة أو تكريسا لأمر واقع لا يريده من تهمّهم مصلحة البلد.

اطلاق سراح رجل الأعمال ربراب، الذي جعل الكثيرين من أصحاب الاصابع الزرقاء يلعنون العدالة ويؤكّدون أنّها فعلا عدالة التليفون، وتشكيل الحكومة الجديدة التي يرتفع معدل عمر وزرائها إلى فئة لا تنتمي إلا الشّباب عمريا لكنّها تصرّ على ما يبدو أن روح الشباب تطوف حولها، بالتّزامن مع اطلاق سراح رموز حراكية مهمّة جدا كالمجاهد لخضر بورقعة وبومالة وطابو وسمير بالعربي وغيرهم من المؤثرين في الشارع، كل هذا مؤشر واضح جدا لحدوث أمور مهمّة كما يعتقد الكثيرون، وغدا الجمعة ستنزل من جديد الحشود الشعبية لتملأ الميادين وتردد شعارات المطالبة بالتغيير الحقيقي واستنكار الحكومة والرئيس المنتخب بطريقة مشكوك فيها على كل المستويات، إذن ما هو المتوقّع حقا؟ هل هو صدام جديد بين الحراك والنظام بوجوهه الجديدة القديمة؟ أو أن الأمور ستتجه نحو الحوار لأجل حلحلة الأزمة بشكل نسبي والتهدئة ريثما يحكم النظام قبضته من جديد على الأحداث، وهو الذي فقد التوازن بعدما لم ينجع في ارهاب الشارع بالبلطجية الذين هاجموا الشباب في شوارع قسنطينة وعنابة والبرج وولايات أخرى.

ويبدو أن الحكومة الجديدة التي تميل للتركيز على الجانب الاقتصادي، لن تكون معنية بالتعامل مع الأزمة السياسية التي سيتم التعامل معها من طرف الرئيس ومن يتحكمون فعليا في مقاليد الأمور، وربما هذا بشكل أو بآخر منطقي نوع إذا ما عرفنا أن الحكومات في الجزائر لم تكن بيدها عقدة الربط أو الحل ولا تملك من أمرها شيئا في الحقيقة، فالنظام رئاسي ظاهرا عسكري باطنا لا يهتم لا للبرلمان ولا للحكومة، لذا فالحوار الحقيقي إن كان هناك حوار من أصله لن يكون إلا مع الجهات العليا المتحكمة التي تمقت فعلا شعارات مدنية الدولة التي ينادي بها الشارع كل جمعة وثلاثاء في كل أرجاء البلاد.

إن فنحن الآن بصدد انتظار الخطوة القادمة من النظام، لأن رموز الحراك كما هو واضح لن تتورّط في حوار لن يكون هناك داع له حسب الكثيرين لأنه سيعني الاعتراف بطبخة انتخابية لم يساهم فيها أحد من الشعب في الحقيقة إلا فئة قليلة تمّ تضخيم أرقامها بشكل مبالغ فيه، وبالرغم من ذلك ظهرت بائسة للغاية من دون احتفالات بفوز الرئيس وهو ما يعكس أن الأمور مصطنعة منذ البداية وكلّ التزم بدوره، حتى المنافسون لم يكن ردّ فعلهم إلا التزاما بمهمّتهم الموكلة لهم، اما رموز الحراك فستخرج غدا لتواصل الانتفاضة الشعبية التي لا يبدوا انّها ستهدأ قريبا.

لكن خطوة النظام ستكون حذرة كما هو متوقّع وسيصرّ على الدعوة إلى الحوار من جهة والتضييق على الحراك من جهة أخرى، لدفعه إلى طاولة الحوار ولكن مع تقليل سقف التوقعات، والتي لن يكون من بينها التغيير الجذري كما نادى الشارع منذ ال22 فبراير، بل كما نظن ستتم محاولة تحجيم المطالب إلى تغييرات على عدّة مستويات ليس من ضمنها التغيير الجذري وهو ما سيضعنا أمام انسداد تام وصدام جديد لا أحد يتوقّع المخرج الحقيقي منه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s