قبل أسابيع من الان هاتفتني احدى صديقاتي لتمارس معي فن الفضفضة، فمعروف عنها أنها نادرة الكلام منذ أيام الجامعة، و لا اخفي أنني سعدت كثيرا لذلك و تضايقت في نفس الوقت ، فصديقتي اياها كثيرا ما ضربت لي مواعيد في أوج أزماتها النفسية و لكن للأسف الشديد لم أستطع أن أتعمق في أغوارها السحيقة ، لأنها ليست من النوع سهل التعبير، المهم في الأمر انني كنت في الموعد بعدما تأجل لمرتين نتيجة مشاغل الحياة المعتادة و تصادم المواعيد كالعادة.
كذلك التقينا لكنها لم تتكلم البتة و كلما حاولت ذلك اشعر بها تختق ، تلك الكلمات هي نفسها التي انتظرت مرات عديدة أن تطلق سراحها ، لكنها و في كل مرة كانت تتراجع عن فعل ذلك و بدل أن نعالج ازماتها تلك أصبحنا نتحاور عن سبب سكوتها المطبق لسنوات طويلة و اجادتها لفن الصمت الذي أصبحنا نحتاجه في مجتمعاتنا و لكن بمنحاه الايجابي ..و مرة أخرى يعود السبب بنا للمجتمعات التي نعيش بها ، فالفتاة تخاف أن تتكلم و الكل اصبح يخاف أن يعبر عما يشعر به تجاه الاخرين لسبب واحد فقط هو سوء الفهم ، فالكل يخاف من الكل و لم يعد هناك اسهل من أن تحكم على انسان و لو من اول نظرة اليه ، فالتراكمات التي باذهاننا حول اي شيئ تجعل من الكلام صعبا مخافة ردّ فعل غير متوقّع، حتى أن الجميع يستحقون لقب محلل نفسي و اجتماعي (فاشل طبعا) يمارسون أمام من يسمح لنفسه بالتعبير عن الذات اطلاق الاحكام السريعة و المسبقة ليصبح الأمر عاديا في مجتمعات تظن في نفسها العقل، و هي بعيدة عنه كل البعد .


حاولت كثيرا أن أقنع صديقتي بالكلام ، لكنها لم تستطع لأنها تكاد تجزم بانني لن أفهم ما ستقوله رغم أن الكثيرين يشهدون بانني أتقبل كل شيئ و أناقشه سواء كان جيدا أو سيئا، لكن المهم أن النتيجة كانت سلبية و تفرقنا و هي لم تتكلم و أنا لم افهم ، لكنني أدركت حقا أن هناك مشكلة تراكمية داخل مجتمعاتنا أصبحت تدفع الكثيرين للجوء الى الصمت بدلا من كلمات لن تفهم من مجتمع قد رصد احكامه مسبقا لأي موضوع قد يخطر على بال أحد ، أنت قد تكون مخبولا و بعيدا عن الواقع لو اهتممت بالابداع و القراءة مثلا ، و طبعا لن تكون شاطرا بل أشبه بالأبله لو اهتممت بدراستك ، و ستكون بالتأكيد متمكنا من الحياة لو استطعت جمع الكثير من المال ، و بالتأكيد ستجني على نفسك و راحتك لو اخترت شريكة حياتك على اساس شخصيتها و ليس على مدى تسليمها بافكارك ، هذا و كثير من الاحكام المسبقة التي لا تزال و ستظل لوقت طويل مسيطرة على مجتمعاتنا التي لانزال تدفع بعضها بعضا ببطئ شديد نحو ما أتمنّاه أن يكون مدنية عايشناها ذات زمن سحيق و نتمنى أن تعود في زمننا هذا..

بقلم زائرة عائدة..

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s