يوميات يهودي ضائع بين أبواب دمشق و تل أبيب..

فرغت قبل أيام من الموعد ، من قراءة رواية “يوميات يهودي من دمشق ” للسوري “إبراهيم الجبين ” و كنت قد قررت مسبقا ان يكون نقدي هذه المرة أدبيا مبتعدا عن هوى نفسي “الإجتماعوسياسي” إلا أنني أدركت أن قليلا من هذا الهوى لا يضر لذا فسأحاول مزج هذه التوليفة علها تخفف من وطإ حرارة النقاش …
حسنا ..الرواية فعلا عبارة من يوميات فهي تعكس من هذه الجهة العنوان الذي حضيت به و هي تدور حول “ابراهيم” بطلنا الذي ينقل لنا صورا من يومياته رفقة شخوص مروا بحياته فتركوا فيها ما تركوا ..إخاد ..ليندا..محمد..نور..راحيل..ابراهيم نفسه ..كل هؤلاء كان ابراهيم ينتقل بين يومياتهم التي تضعنا أمام اشكالية واضحة من حيث موضوعها المتعلق بجانب حساس في حياة أي عربي و هو علاقته باليهود الذين يقاسمونه المواطنة في بلده و بلدهم ..و تلك الحيرة و الرفض من المجتمع الجديد ذي العقليات المختلفة ، غير أنه يضع اليهود العرب أنفسهم في حرج كبير كذلك من خلال تناول مشكل الإنتماء و الهوية و اشكالية البقاء في بلدان تمثل أوطانهم أو الرحيل إلى وطن حديث المولد يدعوهم لهوية جديدة و هو مايعني إحداث قطيعة مع تاريخ طويل و جيران عرب من الديانتين و مع هوية عربية تعاني الإنهزام ..
من جهة أخرى لفت انتباهي تلك النظرة الإستهلاكية في الرواية للمتدينين فهم بدون عقول تقريبا ..يتبعون الإمام بدون وعي كامل و لا نقاش أو اعتراض و في استسلام مهين..حتى أن امامهم نفسه لا يستطيع التفكير في حل يخرجه من ورطته بل يستعين برفيق غرفته الذي التقاه صدفة و يسلمه حياته و أسراره ببساطة و هو الشيئ غير المنطقي في نظري …و هذه النظرة ليست وليدة اللحظة بل تكاد تنطبق على عموم الروايات العربية و هي انعكاس للنظرة السلبية و السطحية للملتزمين بالدين ، إذ أن في مقابل المسلم السلبي لا تجد أي اشارة لمسلم إيجابي و هو نفس المطب الذي وقع فيه أغلب الروائيين العرب ..
و يأتي الملل …الذي يتخلل نفس القارئ عندما ينطلق كاتبنا في السرد التاريخي لعائلة العابد مثلا أو التأريخ لبعض منازل دمشق أو يهودها (ص22،23)..هنا يحس القارئ بالملل ينتابه و هو يرى نفسه مجبرا على قراءة صفحات تاريخية ممكن أن يطلع عليها في مكان آخر ..غير أن سردا آخر يشعر القارئ بشيئ من الحميمية في الرواية خاصة عندما يتجول بنا الكاتب في أحياء دمشق القديمة ، نتلمس أسوارها العتيقة و نجوب حواريها و ممراتها الضيقة و أسرارها الدفينة …وهي حميمية تعود بين الحين و الآخر لتأكد على دور العمارة الدمشقية في هذه الرواية …
أما أكثر ما أعجبني كدارسة للأدب و متذوقة لروائعه البنية الزمنية للرواية أو تقنية المزج الزمني بين الماضي و الحاضر من جهة و بين يوميات الأبطال من جهة أخرى و هو ماذكرني برواية “الصخب و العنف” من الأدب الأمريكي ..فمثلا تجد لوحات متتالية لا يربط بينها الزمن المستمر (الراوي رفقة ليندا ، الراوي رفقة محمد شوق ، الراوي رفقة إخاد …..و المزج بين يوميات الراوي نفسه و أفكاره ..
الرواية بها شجون كثيرة رغم قصرها فهي تمثل منحا من نوع جديد و مثير للجدل و هو ما أهمني كثيرا فإذا كان يهود الجزائر مثلا قد اختاروا منذ أيام الإستعمار خيانة وطنهم فإن يهود دمشق لازالت الحيرة و الضياع تأرجحهم بين مجتمع عربي لم ينصفهم كمواطنين و بين مسخ معاد للعرب يغريهم بكل ما يمكن أن يحققه لهم من حلم الإنتقال إلى الكفة الراجحة في الميزان العالمي …هنا أيضا يضفي الكاتب على شخوصه صفة “العادية” فهؤلاء اليهود ليسو وحوشا كما نتصور بل هم بشر عاديون ضائعون مثلنا ..يخطئون و يصيبون و يصادقون و ييأسون ..لكن قد يطفح بهم الكيل فيتمردون…

3 comments

  1. مرحبا رايي؛
    تحليل جميل …. لكن لي بعض التعقيبات!
    أوافقك تماما في أزمة الهوية التي نعاني منها في العالم العربي، و التي انعكست علاقة مهزوزة و اعتراف منقوص بالمختلف ( دينيا أو غير ذلك ) و كنتيجة لهذا خسر الوطن ولاء أولئك، فالوطن له ولاء مواطنيه، و فقط مواطنيه و من يشعر بأنّ مواطنته هي صدقة لا غير، لن يصعب عليه اختيار “خيانة” ذلك الوطن!
    أما النظرة السلبية للملتزمين بالدين، فأنا لا أتفق معك، لأنّ من تطرّق له ابراهيم في علاجه هو جزء جيّد من رجال الدين غير الملتزمين بالدين الحقيقي! أما أولئك الملتزمين فعلا فلم يتطرّق لهم، و هو خيار محض أدبي و لا أعتقد أنّ فيه أي نوع من التعميم، أمّا جموع التابعين ل “الإمام ” فقد أشار إلى لبّ المشكلة برأيي، و هي الطاعة العمياء غير المحكومة بالعقل الذي كان ليقدر على تمييز كذب هذا “الشيخ” من صدقه؛
    تحيّاتي القلبية، باسل

    إعجاب

    • مرحبا بك باسل …
      تعليق ينم عن قراءة جيدة ..غير أني لا أوافقك بالنسبة للنظرة لرجال الدين أو المتدينين عموما ..فالإمام ملتزم لكنه لا يريد القاء نفسه للتهلكة ..و أنا اتسائل لما لا نجد نماذج ايجابية عن المتدينين في أدبنا أم هو الحكم المسبق و محاولة محاكمة الدين نفسه من خلالهم ؟؟؟
      سؤال يبقى يثير الكثير من الحيرة بداخلي ..شكرا لك ..دمت قارئا و مدونا..

      إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s