وسوم

قبل أسبوع من الآن توفي والدي ، و هو حدث مهما كنت أهابه من قبل و أخاف من اقترابه و كم كان وشيكا في كل مرة …إلا أن حدوثه و وقوعه شيء آخر لا يشبه التوقع و لا الانتظار في شيء..هكذا و بين لحظة و أخرى تفارق الروح الجسد و يفارقنا نحن الجسد و الروح كلاهما …لا أدري كم من المشاعر المختنقة أحسست بها و لا قدر العَبرات التي تباغتني كلما عدت إلى نفسي، فتفاجئني و أنا من أحاول قدر ما أستطيع أن أتجاهل كل ما حولي عسى أفكاري تهدأ للحظة و تبتعد عن التفكير في ما حدث و تلك الصورة الدرامية القاتمة التي طبعت الموقف كاملا …

ذلك الصباح شممت رائحة الموت فعلا ، خلال الشوارع التي اجتزتها ذاهبة إلى عملي، كانت رائحة حادة يصاحبها الكثير من القلق، لا أدري كيف اجتاحتني تلك المنذرات بما سيحدث ذلك المساء ، فقد عهدت نفسي قبل ذلك لا أحس بالأشياء قبل حدوثها، دخلت مقر عملي و سحبت كراسا و قلما و خططت بعض الأسطر عن رائحة الموت التي أزكمت أنفي و أنا أجوس خلال الشوارع الهادئة صباحا … كتبت هذه الأسطر كما هي لا غير…) حين تغتالك لحظات الخوف، لا يصبح للحياة معنى و أنت تترقب القادم في وجل تراه كيف يكون ؟؟ و أنت تدرك أن اكثر الامور المتوقعة هي أشد قتامة من الايام العادية …

في لحظات لا يمكن فيها للزمن أن يعود إلى الوراء لا نملك إلا الانتظار و الدعاء بأن اللطف في القدر أكثر ما يمكننا أن نتمناه آآآآآآآآآه كيف لي أن أستنشق الرغبة في الحياة و الموت يطل علينا من نوافذ لا نتمناها ، لكن مالا نريده حقا أن يلج أبوابنا بوجهه الكريه إلينا و يسرق منا أكثر ما نحبه و ما نريده في حياتنا أريد أن أنتظر فقط رغم أن الإنتظار في حد نفسه انتحار (انتهت حروفي ذلك الصباح بعد أن قاطعتني مكالمة من المنزل بأن النزيف قد عاود والدي …كم من الارتباك و الأفكار التي هطلت علي فجأة أتراه لن يعيش لهذه الليلة ؟؟  حاولت كثيرا تجاهل نفسي و أفكاري و كوابيس الصباح التي تفسد بقية اليوم و تضفي عليه بقعة سواد داكنة  قاتمة …

لكن ذلك السواد الذي بقي جاثما بين أعيني  أحسسته توزع من بين ضلوعي إلى السماء التي تلبدت بالغيوم و بدأ المطر الغزير بالهطول دون توقف لأيام بعدها ، أتراها تبكي من فقدته ذلك المساء؟؟ أم تبكيني أنا من ظلت هواجسي حول هويتي تغتالني كل مساء ؟؟

بين كل ذلك السواد كان هناك أشعة من وميض لا يخبو أبدا و لا يهدأ البتة، فسعادتي هي الهم الأكبر و تعاستي هي أكثر المخاوف في هذه الحياة …حين ألتفت نحو ذلك النور الذي يجتاحني بإصرار تنفرج أسارير وجهي عن ابتسامة مهما اجتهدت في الإفراج عنها تسرع بمغادرتي لأن مصابي لم يترك في القلب مكانا لغيره ينبض به في تلك الليلة التعيسة …فعلا للموت رهبة و لآثاره هيبة و جلال لا نلمسها في غيره مما تضج به حياتنا من أحداث تلم بنا ..

كانت أيام أحسست فيها و كأن القدر يتعمد تكرار طعني كل صباح حتى يبقى الجرح نازفا لأيام طوال، لكن وميض النور الذي امتد طويلا بعدما كففته عني و طرق كثيرا على أبواب قلبي حائرا كيف السبيل إلى اجتياحي و هو من لم يعرف غير قلبي سكنا منذ ألفيته توأم روحي … عناد أجبرني على فتح بابي باكرا و اعتناق العزاء من بين حروفه المتعطشة إلي خلال حزني و فرحتي …

الآن ..أقتات على المزيد من الوقت في انتظار أن يندمل الجرح بأعماقي، أعرف أنه لن يشفى بل ستبقى آثاره ما حييت لكن الزمن يعلمنا كيف يمر العمر و تنتحر الأحداث على جنبات دربنا مخلفة آلاما و أحلاما لكننا نظل نسير…